القرطبي

71

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وروى ابن جريج عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لعائشة : في تفسير قوله تعالى : حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [ المؤمنون : 99 ] ؛ إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك إلى الدنيا ، فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ؟ ويقول : قدما إلى اللّه عزّ وجلّ ، وأما الكافر فيقولون : نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول : ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً [ المؤمنون : 99 ، 100 ] الآية « 1 » . وأما قوله في الحديث : « حتى ينتهي إلى السماء التي فيها اللّه تعالى » فالمعنى أمر اللّه وحكمه « 2 » وهي السماء السابعة التي عندها سدرة المنتهى ، التي إليها يصعد ما يعرج به من الأرض ، ومنها يهبط ما ينزل به منها - كذا في صحيح مسلم من حديث الإسراء . وفي حديث البراء أنه ينتهي به إلى السماء السابعة ، وسيأتي إن شاء اللّه تعالى . وقد كنت تكلّمت مع بعض أصحابنا القضاة ممن له علم ونظر بالفقه ، ومعنا جماعة من أهل النظر ، فيما ذكر أبو عمر بن عبد البر من قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [ طه : 5 ] فذكرت له هذا الحديث ، فما كان منه إلا أن بادر إلى عدم صحّته ، ولعن رواته ! وبين أيدينا رطب نأكله ، فقلت له : الحديث صحيح ، خرّجه ابن ماجة في « السنن » ، ولا تردّ الأخبار بمثل هذا القول ، بل تتأول وتحمل على ما يليق من التأويل « 3 » ، والذين رووها هم الذين رووا لنا الصلوات الخمس وأحكامها ؛ فإن صدقوا هنا صدقوا هناك ، وإن كذبوا هنا كذبوا هناك ، ولا تحصل الثقة بأحد منهم فيما يرويه .

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير في « تفسيره » ( 18 / 40 ) مرسلا . ( 2 ) أوّل القرطبي هنا لفظ الحديث ، والقرطبي أشعري ، وهو يسير على طريقتهم في تأويل الصفات ؛ عفا اللّه عنه ، وسترى ذلك في أكثر من موضع في هذا الكتاب ، وعقيدة أهل السنة والجماعة ؛ أهل الحديث عدم تأويل الألفاظ ، والأخذ بظواهرها ، وهذا تجده مفصلا في كتب العقيدة ، وخاصة ما يتعلق منها بالأسماء والصفات ، وانظر « علو اللّه على خلقه » للشيخ أسامة القصاص رحمه اللّه تعالى . واللّه الهادي إلى سبيل الرشاد . ( 3 ) بل ليسعنا ما وسع السلف الصالح من أهل القرون الأولى ومن بعدهم ، ولنمرّها كما جاءت دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ، كما قال الأوزاعي ومالك وابن المبارك ، وقبلهم أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلا نعمل العقل والذهن القاصر عن تصوّر الغيبيات ، فضلا عن عجزه لعلم ماهيتها ، فكيف نترك لعقولنا العنان لكي تتفكّر في هذه الأخبار ، فإن قبلتها عقولنا قبلناها ، وإلا كانت الأخرى فنردّها ، وهذا حال الحيران الذي أسلم نفسه لعقله وهواه ، فيا عبد اللّه كن وقّافا على النصوص ، وقف حيث وقف القوم ، واللّه الموفق . وأقول تعقيبا على كلام القرطبي - رحمه اللّه - : إن الذين رووا هذه الأخبار ، أخذوا بظواهرها ولم يؤوّلوها ، وكذا الأئمة الذين نقلوها ، فلنكن على هديهم .